المحقق البحراني
95
الكشكول
ثم إنا قطعنا ذلك الماء الأبيض ووصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة ، ثم صعدنا من المركب الكبير إلى الجزيرة ودخلنا البلد فرأيته محصنا بقلاع وأبراج وأسوار سبعة واقعة على شاطئ البحر ذات أنهار وأشجار مشتملة على أنواع الفواكه والأثمار المنوعة ، وفيها أسواق كثيرة وحمامات عديدة وأكثر عمارتها برخام شفاف ، وأهلها في أحسن الزي والبهي . فاستطار عقلي سرورا لما رأيته . ثم مضى بي رفيقي محمد بعد ما استرحنا في منزله إلى الجامع المعظم فرأيت فيه جماعة كثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه المهابة والسكينة والوقار ما لا أقدر أصفه والناس يخاطبونه بالسيد شمس الدين محمد العالم ويقرءون عليه في القرآن والفقه والعربية بأقسامها وأصول الدين والفقه الذي يقرءونه عن صاحب الأمر عليه السّلام مسألة مسألة وقضية قضية وحكما حكما ، فلما مثلت بينه يديه رحب بي وأجلسني في القرب منه واحفى السؤال عن تعبي في الطريق وعرفني أنه تقدم إليه كل أحوالي وأن رفيقي الشيخ محمّدا إنما جاء بي بأمر من السيد شمس الدين العالم ( أطال اللّه بقاه ) ثم أمر بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد وقال لي : هذا يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة ، فنهضت ومضيت إلى ذلك فاسترحت فيه إلى وقت العصر وإذا أنا بالموكل بي قد أتى إلي وقال لي : لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد ( سلمه اللّه تعالى ) وقد أقبل ومعه أصحابه فجلسوا ومدّت المائدة فأكلنا ونهضنا إلى المسجد مع السيد الأجل صلاة المغرب والعشاء ، فلما فرغنا من الصلاتين ذهب السيد إلى منزله ورجعت إلى مكاني وأقمت على هذه الحالة مدة ثمانية عشر يوما ونحن في صحبته ( أطال اللّه بقاه ) فأول جمعة صلينا معهم رأيت السيد صلى الجمعة ركعتين فريضة واجبة ، فلما انقضت الصلاة قلت : يا سيدي رأيتكم صليتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة ؟ قال : نعم لأن شروطها المعلومة قد حضرت ووجبت ، فقلت في نفسي : ربما كان الإمام عليه السّلام حاضرا ثم في وقت آخر سألت منه في الخلوة هل كان الإمام حاضرا ؟ فقال : لا ولكني أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه عليه السّلام فقلت : يا سيدي وهل رأيت الإمام عليه السّلام ؟ قال : لا ولكن حدثني أبي ( رحمه اللّه ) انه سمع حديثه ورأى شخصه ، فقلت له : ولم ذلك يا سيدي يختص بذلك رجل دون آخر ؟ فقال : يا أخي إن اللّه سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاء من عباده وذلك بحكمة بالغة وعظمة قاهرة كما أن اللّه اختصّ من عباده الأنبياء والمرسلين والأوصياء المنتجبين فجعلهم أعلاما لخلقه وحججا على بريته ووسيلة بينهم وبينه ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولم يخل أرضه بغير حجة على عباده ، ولا بد لكل حجة من سفير يبلغ عنه .